وزارة خارجية الجمهورية الاسلامية الايرانية
 
تاریخ:17 دي 1387|2009 January 06


صناعة المنمنمات

 

 فن المنمنمات او (المينياتور) يعني من الناحية اللغوية الطبيعة المصغرة و الدقيقة، وقد ادخلت هذه الكلمة قاموس اللغة الفارسية في بدايات القرن الماضي، و تحديداً في العهد القاجاري، و يمكن ان تكون اسماً لكل ظاهرة او ابداع فني يحمل الظرافة و الدقة باي شكل كان، كما ان هذه الكلمة تتخذ في ايران عنواناً و تعريفاً لانواع من الرسم ذات الخلفية التاريخية القديمة.

هذا الفن الذي يعتبره الكثير بانه ايراني المنشاَ قبل ان يشق طريقه نحو الصين ليشهد تكاملاً في العهود المغولية هناك ثم يعود الي ايران ثانية. من الفنون ذات القابلية علي نقل صورة كاملة عن الطبيعة في اطار صغير، الا ان هذا لايعني ان المنمنمات محدودة بنقل جزء صغير و محدودة بنقل جزء صغير و محدود من الطبيعة و ان هذا الفن لا يري سوي المناظر الطبيعية باعتبار ان الطبيعة هي مصدر الالهام الوحيد لهذا الفن و انما يعبر هذا الفن عن مجهود لتقديم و تجسيد الجمال في اللوحة الفنية، هذا المجهود دوما يتضمنة من ايجاد بحد ذاته خصوصية تتميز بها المنمنمات عن بقية فنون الرسم في ايران، فرسام المنمنمات هو ذلك الفنان الذي يجسم الحالة او الصورة التي يعتقد ان الانسان يعشق رؤيتها و لا يتقيد في كل الاحوال باي نوع من الضوابط و القوانين السائدة في فن الرسم.

لقد انطلقت مدارس فن المنمنمات في ايران في القرون الاولي بعد الاسلام. و في تلك الفترة رافق هذا الفن ابداعات في الخطوط العربية، و انجز الفنانون الايرانيون كتابة المصحف الشريف في عدة نسخ جذابة، تضمنت التذهيب و الزخرفة في اطراف الصفحات و علي الغلاف متبعين نقوشاً فنية مثل (الاسليمي) و(الختائي)، و في هذه المسيرة ابتكروا ايضاً طريقة الدوائر المركبة بطريقة خاصة تسمي اليوم (استليزه) كما شهد هذا الفن طريقة الرسم استلهاماً من مضامين الكتب، و هي الطريقة التي كانت بدايتها في مدرسة بغداد.
و نظراً الي مدرسة بغداد كان يغلب عليها البدائية فان افتقاد المهارة و القدرة الفنية كانت ظاهرة في اداء الفنانين آنذاك، فقد كان يغلب عليهم الطابع الديني، و كان معظم فناني مدرسة بغداد ايرانيين، و كانوا علي الاغلب ينفذون اوامر طلبات رؤساء القبائل العربية في تزيين الكتب المخطوطة بابداعاتهم و اذواقهم، و كانت اعمالهم تصل الي جميع ارجاء ايران هذه المدرسة استمرت في رفد المنمنمات الي ايران حتي العهد السلجوقي في ايران حيث كان فن الرسم قد شهد نمواً و تطوراً ملموساً.
بعد الحملة العسكرية للمغول علي ايران جنكيزخان و غياب بريق مدرسة بغداد، استقرار القادة المغول في شمال غرب ايران مثل مدن تبريز و مراغه، تحولت تلك المنطقة و بشكل لا ارادي الي مركز استقطاب للفنانين، وما شجعهم علي ذلك رغبة المغول بالفن الصيني. فخاضوا هناك سباقاً و تنافساً علي الفن و الاذواق، و لابد من القول ان الرسم بالطريقة الصينيية لم يدخل ايران مع الحملة المغولية بل ان الرسم الايراني كان موجوداً قبل هجوم جنكيزخان بسنوات، اذا كان اسلوب و نمط الفن الصيني منتشراً في عموم منطقة الشرق الاوسط، ويمكن ملاحظة ذلك في ملحمة فردوسي التي تشير الي وجود هذا الفن، ومن المحتمل ان يكون تركان السلجوقي المروج للطريقة الصينية في الرسم في ايران.

بيد ان الايرانيين و بلمسة فنية خاصة اجروا عملية تزاوج و تركيب اثمرت عن اعمال يمكن ملاحظتها في القاشاني و السيراميك حالياً، و هذه النماذج بحد ذاتها تؤكد ان هذه الطريقة من الرسم و اسلوب التلوين و التنقيش كانت شائعة في ايران قبل الحملة المغولية و التي نمت الاستعانة بها فيما بعد للرسم في الكتب، و لو لم تكن نيران الحروب و المواجهات تلتهم المكتبات الايرانية العظيمة، لكان بالامكان ملاحظة الكتب الخطية التي تعود الي ما قبل الحملة المغولية، و هي تحمل نفس تلك الميزات الفنية في رسم المنمنمات لمدرسة هرات او مراغة او لمدارس اخري.
في بداية الحملة المغولية علي ايران افتقد فن الرسم بريقه نتيجة المجازر التي طالت الفنانين آنذاك، لكن بعد بضعة سنين، فكر قادة المغول في ترويج و تشجيع الفن في ايران، من اجل ذلك استقدموا عدداً من الرسامين، و حاولوا الترويج لفن الرسم الصيني في ايران، و الفنانون الايرانيون مع تاثرهم بذلك الجو، لم يتوفقوا ابدا عند الطبيعة كوسيلة للتعبير عن المشاعر و العواطف بشكل قسري كما كان علية الحال بالنسبة للفنانين الصينيين، بل توجهوا اكثر الي الانسان و طريقة تفكيرة، من هنا قلماً توجد منمنمات ايرانية من دون وجه او شكل انسان.

من جهة اخري لم يقطع اصحاب هذا الفن في ايران علاقتهم بالشعر و الثقافة و طريقة التفكير المحلية و التقليدية لذا فان الاساطير و ملاحم الابطال و العادات و التقاليد الاجتماعية في ايران كانت تتجسد في اعمالهم، و هذه الصلة الوثيقة بالحياة و العقائد المحلية كانت بدرجة من القوة و التماسك ان جعلت المنمنمات الايرانية متميزة مع ما فيها من نقاط الالتقاء الكثيرة مع بقية المدارس الآسيوية مثل المدرسة الصينية و اليابانية و الهندية، و قد استمر الحال مع العهد الايلخاني و التيموري، و كان هذا الفن محل اعجاب كبير في هذا العهد لدرجة ان احد الامراء التيموريين يدعي (بايسنغر ميرزا) تولي ادارة الشؤون الفنية في مدينة هرات فكان هذا الشخص خطاطاً مبدعاً بمعني الكلمة.
في تلك الفترة كانت مدينة هرات مركزاً و مرتعاً للفنانين، ومن المعروف ان في معهد واحد لتعليم الرسم كان 600 استاذ يقوم بتعليم فن الرسم و تنفيذ الطلبات الفنية، و من ابرز اساتذة مدرسة هرات الاستاذ كمال الدين بهزاد الذي خلف كتاباً مصوراً يعرف باسم (ظفرنامه تيموري) يمكن اعتباره بكل حزم و ثقة القمة في المنمنمات التي ظهرت قبله او بعده في ايران من حيث حالات الوجوه و حركة الريشة و اختيار الموضوع و عرض الحقائق.